الرباط – العرب تيفي
محاكمة فريد بن الشيخ تكشف تصدعات السلطة في الجزائر.. هل دخل الصراع بين الرئاسة والجيش مرحلة الحسم؟
تشير تطورات المشهد السياسي في الجزائر إلى تصاعد مؤشرات التوتر بين مراكز النفوذ داخل السلطة، في ظل تحولات متسارعة طالت مؤسسات الأمن والاستخبارات، وملفات قضائية باتت تحمل أبعادا سياسية تتجاوز نطاقها القانوني.
وفي قلب هذه التطورات تبرز محاكمة المدير العام السابق للأمن الوطني، فريد زين الدين بن الشيخ، التي تحولت من قضية ذات طابع أمني إلى عنوان بارز للصراع الدائر بين دوائر القرار العليا في البلاد.
فمنذ أشهر، تشهد الجزائر سلسلة من التغييرات والإعفاءات داخل الأجهزة السيادية، ما فتح الباب أمام قراءات تتحدث عن إعادة ترتيب موازين القوى بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية. ويرى متابعون أن هذه التحركات تعكس تنافسا متزايدا حول إدارة الملفات الاستراتيجية والتحكم في مفاصل القرار داخل الدولة.
وتكتسب قضية فريد بن الشيخ أهمية خاصة بالنظر إلى موقعه السابق داخل المنظومة الأمنية. فقد عُيّن على رأس المديرية العامة للأمن الوطني سنة 2021، وارتبط اسمه بمشروع إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وتعزيز دور الرئاسة في إدارة بعض الملفات الحساسة، وهي توجهات أثارت، بحسب متابعين، تحفظات داخل دوائر نافذة في المؤسسة العسكرية.
كما ارتبط اسم بن الشيخ بعلاقته الوثيقة بمدير ديوان الرئاسة، بوعلام بوعلام، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز الشخصيات المؤثرة في محيط الرئيس عبد المجيد تبون. وتشير تقديرات سياسية إلى أن تنامي نفوذ مدير الديوان داخل عدد من الملفات الأمنية والقضائية أثار بدوره حساسيات داخل مراكز القرار التقليدية.
وبعد إعفائه من منصبه خلال عام 2024، أُحيل بن الشيخ إلى التحقيق من قبل المديرية المركزية لأمن الجيش، قبل أن تنتقل القضية إلى أروقة المحكمة العسكرية بالبليدة. ومنذ ذلك الحين، تحولت المحاكمة إلى ملف يثير اهتماما واسعا، بالنظر إلى ما يحيط بها من تسريبات وتأويلات سياسية تتعلق بطبيعة العلاقة بين مؤسسات الحكم المختلفة.
وتتحدث تقارير إعلامية عن مخاوف داخل بعض دوائر السلطة من أن تؤدي مجريات المحاكمة إلى الكشف عن تفاصيل تتعلق بآليات اتخاذ القرار والتنسيق بين الرئاسة والأجهزة الأمنية، وهو ما منح القضية بعدا سياسيا يتجاوز الإطار القضائي التقليدي.
وفي موازاة ذلك، أثار الغياب اللافت لمدير ديوان الرئاسة، بوعلام بوعلام، خلال الأسابيع الأخيرة موجة من التكهنات داخل الأوساط السياسية والإعلامية، خصوصا مع تزامنه مع تطورات ملف بن الشيخ. كما زاد الجدل بعد قضية المراسيم الرئاسية المتعلقة بإعفاء عدد من المستشارين، والتي أُعلن عنها ثم جرى التراجع عنها لاحقا، ما اعتبره مراقبون مؤشرا على وجود ارتباك أو تباين في مراكز اتخاذ القرار.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة الخلافات التي طفت على السطح خلال الفترة الماضية بين الرئاسة وقيادة الجيش بشأن بعض الملفات السياسية والدستورية الحساسة. ورغم أن تلك الخلافات لم تُعلن رسميا، فإن عددا من المراقبين اعتبروا أن بعض المؤشرات السياسية آنذاك عكست وجود تباينات في الرؤى بين الطرفين حول مستقبل المرحلة المقبلة.
وفي ظل تراكم هذه المعطيات، يرى متابعون للشأن الجزائري أن البلاد تشهد مرحلة دقيقة تتسم بإعادة تموضع داخل مراكز النفوذ، في وقت تواجه فيه الجزائر تحديات داخلية وإقليمية متزايدة. وبينما تبقى الكثير من التفاصيل رهينة ما ستكشفه التطورات المقبلة، فإن المؤكد أن قضية فريد بن الشيخ أصبحت أحد أبرز الملفات التي تسلط الضوء على طبيعة التوازنات المعقدة داخل هرم السلطة الجزائرية.
ومع استمرار هذه المؤشرات، يظل السؤال مطروحا حول مدى قدرة مؤسسات الحكم على احتواء الخلافات الداخلية والحفاظ على توازناتها التقليدية، أم أن الجزائر مقبلة على مرحلة جديدة من إعادة تشكيل مراكز القوة والنفوذ داخل الدولة.
قناة مغربية عربية دولية قناة مغربية عربية دولية