أخبار عاجلة
الكاتب المغربي هشام المنزهي يكتب : الشباب والمعنى الحقيقي للكرامة

الكاتب المغربي هشام المنزهي  يكتب :الشباب والمعنى الحقيقي للكرامة   

الكاتب المغربي هشام المنزهي  يكتب : الشباب والمعنى الحقيقي للكرامة   

الرباط – العرب تيفي المغربية

خلف أرقام البطالة في المغرب، تقبع حكايات أعمق وأكثر إيلاماً مما تعكسه النسب المئوية الباردة في التقارير الرسمية. فالأزمة الزاحفة لا تقتصر على الشباب العاطل فقط، بل تشمل أيضاً أولئك الذين يعملون بلا توقف، لكنهم يظلون أسرى الفقر والمستقبل الغامض . إنهم يجسدون قصصا مؤلمة غير مرئية لجيل مهدور، جيل لا يُسمع صوته، لكنه لا يزال يحتفظ في أعماقه بشرارة أمل لم تنطفئ بعد.

شباب متعلمون محكوم عليهم بالانتظار

هناك المئات، الآلاف من الحاصلين على شهادات عليا، يقضون أيامهم في بيوتهم أو  في المقاهي  أو في فضاءات التيه، ينتظرون فرص الشغل.. تمر سنوات  الانتظار، وتستمر معها الإخفاقات المتكررة، و الابتسامات المكسورة، والأحلام المحطمة..

في العاصمة الإسماعيلية ، سميرة، 25 سنة، حاصلة على ماستر في الأدب الفرنسي، تعمل خادمة منازل مقابل 2000 درهم في الشهر. تخفي شهادتها الجامعية عن مشغليها، وتقول بأسى: ”سيكون مؤلماً أن يعلموا أن من تغسل أرضياتهم درست بودلير ودريدا”.

هذه ليست حكايات فردية معزولة، بل صورة مكثفة لآلاف الشباب المغاربة الذين تعبوا في مقاعد الجامعة، ليُدفعوا في النهاية إلى الظل، إلى انتظار طويل بلا نهاية..

العمل الذي يبقي صاحبه فقيرا

في مخزن بضواحي طنجة، يحمل يوسف صناديق معلبات طوال عشر ساعات يومياً. راتبه لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور، يتبخر بين مصاريف الكراء ومساعدة أسرته في القرية. يقول بمرارة: ”أن أعمل أو أظل عاطلاً، النتيجة واحدة: أنا محاصر، بهذا العمل لا أستطيع البتعاد عن عتبة الفقر”.

يوسف ليس وحده. آلاف الشباب مثله لديهم عمل رسمي أو غير رسمي، لكنهم يظلون فقراء في نهاية الشهر. إنهم “العمال الفقراء”، فئة لا تظهر في نسب البطالة، ولا تحتسب ضمن الفقراء، لكنها تكشف الوجه الأشد قسوة لواقع التشغيل ولحالة الفقر في المغرب..

مجتمع يتجاهل حقيقته

لماذا تبقى هذه القصص غائبة عن النقاش العمومي؟ ببساطة لأنها تزعج أصحاب القرار.. العاطل يُذكر فقط عندما يحرق نفسه يأساً، والعامل الفقير يُعتبر “محظوظاً” لأنه استطاع الحصول على فرصة عمل، حتى لو كانت مهينة. وهكذا اعتدنا على الظلم، وصرنا نطبع مع الهشاشة والمهانة..
والحقيقة أعمق من ذلك : المشكلة ليست فقط في قلة فرص العمل، بل في غياب العمل الكريم، وفي إهدار الحياة الكريمة.

اللحظة المفصلية: النهوض  بالقوة الحية

المغرب لا يفتقر إلى الطاقات البشرية، بل يفتقر إلى الجسور التي تربطها بفرص حقيقية للنهوض :
جسور بين الجامعة وسوق الشغل.
جسور بين القرى  والحواضر .
جسور بين الأنشطة التقليدية والاقتصاد الرقمي.
جسور بين أحلام الشباب والواقع الاقتصادي.

الحلول ليست مستحيلة وأصحاب القرار مسؤولون عن  تحقيق هذه الجسور   عبر توفير برامج ملموسة لتشجيع :

  • العمل الرقمي الحر، الذي يفتح أبواب العالم أمام شباب من أقصى أحياء الحواضر  إلى أدنى   قرى الأعالي .
  • فرص العمل الخضراء في الطاقة الشمسية، وإعادة التدوير، والزراعة الذكية، التي يمكن أن تكون محركاً لمستقبل واعد.
  • التعاونيات الرقمية التي تمزج بين الحرف التقليدية والتجارة الإلكترونية العالمية.
  • التكوين السريع والعملي من خلال توفير  منصات مكثفة قادرة على تأهيل الشباب للقطاعات الصاعدة.

استعادة معنى الكرامة

الرهان لا يتوقف عند أرقام التشغيل. الرهان الحقيقي هو الكرامة. فالعمل ليس فقط أجراً، بل هو اعتراف اجتماعي، هوية، مكان محترم في العالم. وكل شاب تُترك قصته في الظل هو ثروة بشرية ضائعة، ووعد خائب.
ومع ذلك، لا تزال شرارة الأمل حاضرة:

الشباب يفتحون  عيونهم كل صباح مؤمنين بأن الفرج قريب..

  • سميرة ما تزال تحتفظ بكتبها الجامعية كجزء من ذاتها.
  • يوسف يحلم بفرصة تدريب رقمي تخرجه من حمل الصناديق..

إنها قصص صامتة، لكنها تحمل بذور المستقبل. ليست مجرد معاناة فردية، بل نداءات جماعية لإعادة بناء الثقة والكرامة.
الرسالة واضحة: هؤلاء الشباب ليسوا أرقاماً على الورق، إنهم مستقبل المغرب الحقيقي. الاعتراف بآلامهم وإطلاق طاقاتهم ليس خياراً سياسياً فقط، بل هو مسألة وجود، وشرط أساسي لنهضة وطن يحلم بمكانة محترمة  بين الأمم.

هشام المنزهي – كاتب مغربي

شاهد أيضاً

خبير أمني مغربي : تدخل القوات العمومية لمنع تجمهرات دعت إليها جهات مجهولة تم وفق مقاربة متوازنة تحفظ المتجمهرين

خبير أمني مغربي : تدخل القوات العمومية لمنع تجمهرات دعت إليها جهات مجهولة تم وفق مقاربة متوازنة تحفظ المتجمهرين

خبير أمني مغربي : تدخل القوات العمومية لمنع تجمهرات دعت إليها جهات مجهولة تم وفق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *