المغاربة في مرمى خطاب الكراهية : قراءة في عنصرية اليمين المتطرف في اسبانيا
الرباط – العرب تيفي – عبد الكريم فرحي
يتزايد الحديث عن تنسيق متنام لأحزاب اليمين المتطرف في أروبا لكسب العديد من الأصوات الانتخابية لصالحها، لاسيما في مجالات الهجرة واللجوء تحديدا، مما يثير مخاوف جدية بشأن مستقبل الديمقراطية والتعددية بالقارة الأوروبية حيث تتصاعد مخاوف من صعود الأحزاب القومية المتطرفة التي غالبًا ما تستهدف المهاجرين بخطاب الكراهية والتمييز، وتدعو إلى تقييد حقوقهم بل وطردهم من البلاد، ولضمان انتشار أكبر لمثل هذه الخطابات تعمد هذه التنظيمات إلى استغلال منصات رقمية لبث وتوزيع مواد تساهم في حشد مزيد من التعاطف لصالح توجهاتها العنصرية في مقابل مزيد من التحريض ضد المهاجرين المغاربة بشكل خاص، وفي إسبانيا وحدها وخلال أحداث بلدة”طوري باتشيكو” بمورسية )جنوب شرق إسبانيا( لاحظنا مؤخرا كيف تحركت الآلة الدعائية التحريضية ضد المغاربة بشكل لافت، فهل أصبح “المؤثرون” على منصات التواصل الاجتماعي أداة دعائية بيد أحزاب أقصى اليمين؟ وكيف ساهموا في ترويج خطاب الكراهية والعنصرية ضد المهاجرين المغاربة في إسبانيا؟ وماهي إستراتيجتهم التواصلية المعتمدة لاستهداف المغاربة بعد أحداث مورسية؟
رصدنا من خلال تتبعنا لبعض ما تطرقت إليه الصحافة الإسبانية نفسها خلال أحداث بلدة”طوري باتشيكو” تنامي الإقرار الإعلامي بحالات العنف العنصري الموجهة ضد المغاربة في مورسيا عبر مجموعة من الوصلات الموجهة التي عمد الى توظيفها مؤثرون، مع التأكيد على دور اليمين المتطرف في بث الخطاب التحريضي والمساهمة في تأجيج هذه الأحداث.من خلالهم، إذ عمدت قناة La Sexta،المحسوبة على تيار الحزب الشعبي الإسباني إلى توثيق أعمال العنف في طوري باتشيكو، مشيرة إلى أن مجموعات يمينية متطرفة استهدفت مهاجرين مغاربة بـ”مطاردات عنصرية”. كما شمل تقرير لها بتاريخ 13 يوليو 2025 الإقرار كذلك بوجود رسائل وعبارات تحريضية على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل “سنصطادكم جميعًا وسنطردكم جميعا”، وهي عبارات قدحية ساهمت في تأجيج أعمال عنف واسعة بالمنطقة .
في سياق عالمي شعبوي يعادي المهاجرين نددت فعاليات مدنية وسياسية إسبانية مثل وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا بأعمال العنف وبخطاب الكراهية وعزا في حديثه لإذاعة “كادينا سير”، أعمال العنف هاته إلى الخطاب المناهض للهجرة الصادر عن جماعات اليمين المتطرف وأحزاب سياسية مثل “فوكس”، الذي قال عنه إنه يربط بين الهجرة والجريمة بشكل غير مبرر. وأضاف الوزير أن أعمال العنف في طوري باتشيكو نُظمت وأُثيرت بدعوات مدروسة على وسائل التواصل الاجتماعي، وأشارت تقارير أخرى إلى أن هذه الأحداث ليست معزولة، بل تعكس خطابًا سياسيًا وإعلاميًا مشحونًا ضد المغاربة، يتغذى على صورة نمطية سلبية ترسخ بإمعان شديد فكرة “التهديد المغربي”. عبر سياسة تواصلية مدروسة أعدت لمثل هذه المواقف.
وبموازاة هذا التهديد الذي تتغذى به سردية الأصوات اليمينية المتطرفة لاتزال سياسات الدولة الإسبانية ولاسيما في مكون الهجرة والاندماج عاجزة عن حلّ معضلة المهاجرين التي تتفاقم بعد كل تمدد لخطاب اليمين واختراقه للبنية المجتمعية المحتضنة لهؤلاء المهاجرين. وفي هذا السياق، أشار المرصد الإسباني للعنصرية وكراهية الأجانب، وهو أحد الأجهزة التابعة لوزارة الإدماج والتضامن الاجتماعي والهجرة، (في تقرير رسمي صدر قبل شهور) إلى حجم الكلفة الاقتصادية الكبيرة التي يخلفها التمييز الممارَس ضدّ الأجانب والمهاجرين في قطاعَي العمل والتعليم مثلا، بما يعنيه ذلك من مضاعفة معضلة إدماج المهاجرين، بكلّ تبعاتها وكلفتها الاجتماعية والثقافية، داخل النسيج المجتمعي الإسباني.
إن أحداثا مثل توري باتشيكو تُحوَّل باستمرار إلى أدوات سياسية في سياق أوسع من الصراع الأيديولوجي والانتخابي. حيث يعتمد تأثيرها على مدى قدرة اليمين المتطرّف على توظيف الخطاب الأمني والهوياتي الصرف بتقديم نفسه كحامٍ للقيم الوطنية، واستثمار أي ضعف محتمل لليمين التقليدي أو اليسار في تقديم بدائل مقنعة للناخب الإسباني. كما أن اقتراب الانتخابات الأوروبية، قد تحفز اليمين المتطرف إلى السعي نحو تعبئة المزيد من المتعاطفين مع طرحه الخطابي الشعبوي خاصةً إذا تفاقمت الأزمات الاجتماعية، علما أن دولا أخرى بالقارة الاوروبية تعيش هي الأخرى تناميا لخطاب الكراهية ضد المهاجرين، في ضوء ذلك، تعتبر مثل هذه الأحداث هدية انتخابيةً ثمينة لليمين المتطرّف، سيّما أمام صعود تشكيلات مماثلة تتقاسم نفس الأهداف في أوروبا، ناهيك عن التأثيرِ المحتمل لخطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وسياسته، حيث يتم تأويل مخرجات هذه الأحداث على كونها دليل على فشل النخبة اليسارية/الليبرالية” في الحفاظ على الأمن والهوية الوطنية، وهو ما يتوافق مع خطاب ترامب، حيث إن دنوَّ موعد الانتخابات الأوروبية (2026) يحوّل هذه الأحداث إلى رصيد يعتمد عليه للتعبئة بالنسبة لحزب فوكس، في مواجهة تيارات سياسية أخرى كالحزب العمّالي الاشتراكي مثلا.
ولتجاوز خطاب اليمين المتطرف في إسبانيا والتخفيف من تداعياته وآثاره نرى أنه لابد من إعمال استراتيجية متعددة الأبعاد، تجمع بين السياسات العامة والتركيز فيها على مضامين الخطاب الإعلامي والحرص على دحض أي خطاب مضلل، يسعى إلى التعبئة المجتمعية المضادة لخطاب التعايش وتوظيف منصات التواصل الاجتماعي لنشر مضادات سريعة للخطاب الكاذب وحماية الديمقراطية والمؤسسات وتعزيز التعددية عبر تمكين فعاليات المجتمع المدني المهتم بقضايا الهجرة في دول منشأ المهاجرين من بذل المزيد من الجهود لتأطيرهم وتوعيتهم بالأدوار الموكولة لهم والكفيلة بتيسير اندماجهم تعزيزا لقيم التعددية التي لاشك ان اسبانيا قد عاشت آثار غيابها عبر تجربة الانتقال الديمقراطي لما بعد فرانكو وفترة الحرب الأهلية.

قناة مغربية عربية دولية قناة مغربية عربية دولية