أخبار عاجلة
الباحث والإعلامي المغربي عبد الفتاح الصادقي يكتب : دولة التوسع والفتن

الباحث والإعلامي المغربي عبد الفتاح الصادقي  يكتب : دولة التوسع والفتن  

الباحث والإعلامي المغربي عبد الفتاح الصادقي  يكتب : دولة التوسع والفتن  

الرباط – العرب تيفي المغربية

من خلال البحث الرصين، تبرز معطيات التاريخ والجغرافية أن حكام جزائر منذ استفتاء استقلال هذه الأخيرة عن فرنسا في عام 1962 بعد مفاوضات اتفاقيات إيفيان، عملوا على بناء  دولة توسعية ، اعتماد على الإرث الاستعماري، وانطلاقا من “الفلسفة” التي تعتمد عليها الأنظمة العسكرية، والمعطيات نفسها تؤكد أن هؤلاء الحكام  كانوا وراء الكثير من الفتن والنزاعات التي كانت عواقب وخيمة عل المستويات الاقتصادية ولاجتماعية والسياسية،  لعل أبرزها تعطيل مسيرة التطور والتنمية في المنطقة، وتهديد أمن واستقرار دول المنطقة..

إن القراءة المتمعنة للأحداث والوقائع، تبرز أن حكام الجزائر (التي ظلت لعقود طويلة إقليما فرنسيا) قدموا بلادهم التي ورثوها عن الاستعمار الفرنسي، كقوة إقليمية ذات سياسة خارجية تتسم بالتباهي والغرور وترديد شعارات التعظيم والتفوق، لعل أبرزها شعار “الدولة القارة” وشعار “القوة الضاربة”  وشعار “بلد المليون ونصف مليون شهيد” الذي تحول مع الرئيس عبدالمجيد تبون إلى شعار ” بلد ستة ملايين شهيد..” .

وخلف هذه الصورة التي تبدو ملهمة للبعض، يبرز وجه آخر: وجه دولة توسعت حدودها، الموروثة عن الاستعمار الفرنسي، على حساب العديد من جيرانها الأفارقة. ومن خلال تحليل الحقائق التاريخية والديناميكيات الجيوسياسية الإقليمية، يبدو أن حكام الجزائر انتهجوا، بشكل مباشر أو غير مباشر، سياسة توسع إقليمي، تقوم على الاستحواذ والتحكم في  عدة أقاليم صحراوية استراتيجية وغنية بالموارد الطبيعية في الغرب والجنوب والشرق، في تونس والنيجر ومالي والمغرب . وبعيدًا عن كونه إرثًا تاريخيًا بسيطًا، ظل هذا الوضع يُؤجج توترات مستمرة مع الدول المذكورة حتى يومنا هذا. ومن المرجح أن تستمر هذه  التوترات والصراعات ، وتتخذ مسارا أخطر إذ استمر تدبير شؤون الدولة الجزائرية بمنطق الثكنات العسكرية. 

-الإرث الاستعماري وبناء إقليم متضخم

ورثت الجزائر المستقلة الحدود التي رسمتها فرنسا، التي سعت خطتها إلى إنشاء إقليم شاسع تحت سلطة واحدة. لقد ضمت باريس إلى الأراضي الجزائرية مناطق كانت تُدار سابقًا بشكل منفصل أو تابعة لدول مجاورة، لا سيما المملكة المغربية والصحراء الكبرى وبلدان أخرى، كانت بدورها تحت الهيمنة الاستعمارية الفرنسية، وهي معطيات موثقة بالخرائط والدراسات والمستندات التاريخية، تبين كيف تم اقتطاع أراضي من دول عريقة وضمها إلى دولة ستظهر في سنة 1962 . وهكذا دُمجت أجزاء عديدة من الصحراء الشرقية المغربية، الغنية بالمعادن والمرتبطة تاريخيًا بالقبائل المغربية، بأراضي الجزائر الفرنسية.

والواقع أن هذا الوضع، الذي لم تعترف به  أبدا  المملكة المغربية، كان سببًا في نزاع الحدود عام 1963، المعروف باسم “حرب الرمال”، والذي وضع البلدين في مواجهة بعضهما، وهما في بداية استقلالهما. وقد أبرز هذا الصراع بالفعل الخلافات العميقة حول مدى شرعية الحدود الاستعمارية..

 

 – مأزق حكام الجزائر: توترات حدودية متعددة

والحقيقة أن النزاع الإقليمي بين المغرب والجزائر لا يُعدّ نزاعًا معزولًا، فقد شهدت دول مجاورة أخرى توترات مع الجزائر بشأن ترسيم الحدود الموروثة من الاستعمار الفرنسي، دون الحديث عن توتراتها مع بلدان بعيدة كالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإسبانيا وفرنسا..

فمن جهة الشرقً، شهدت تونس دمج بعض مناطقها الحدودية، ضمن الحدود الجزائرية التي رسمتها فرنسا دون اتفاق ثنائي واضح. وقد صُدّقت هذه الترسيمات بقوة الأمر الواقع بعد الاستقلال. ومن جهة الجنوبً، عانت دول الساحل أيضًا من عواقب هذه السياسة الإقليمية، حيث أُدمجت منطقتا تانزروفت والهقار، المرتبطتان تاريخيًا بسكان الطوارق العابرين للحدود في مالي والنيجر، في الجزائر الاستعمارية، ثم احتفظت بهما بعد  استفتاء الاستقلال عام 1962.  وقد حرمت هذه العملية  مالي والنيجر من مناطق صحراوية استراتيجية شاسعة غنية بالموارد المعدنية، كما تم حرمانهما من الاستفادة من الممرات التجارية. إلى جانب ذلك حافظت  الجزائر على وجود عسكري وأمني قوي في هذه المناطق، مبررةً ذلك رسميًا بمكافحة الإرهاب والتهريب عبر الصحراء، بينما اعتبره العديد من المحللين وسيلةً لتعزيز نفوذها وفرض هيمنتها على منطقة الساحل.

 

-الهيمنة  كأداة لتحقيق المنافع  الاقتصادية والتوسع الجغرافي   

إلى جانب الجوانب التاريخية المرتبطة بمخلفات الاستعمار، ارتكزت السياسة الإقليمية الجزائرية على رؤية استراتيجية جيوسياسية بعيدة المدى تهدف إلى  تحقيق المزيد من المنافع الاقتصادية والتوسع الجغرافي. ذلك أن حكام الدولة الجزائرية لا يعتبرون الصحراء مصدرًا للموارد الطبيعية (الهيدروكربونات والمعادن والطاقة الشمسية) فحسب، بل أيضًا درعًا جيوسياسيًا لبسط النفوذ على مناطق حدودية مقتطعة وفرض الهيمنة على دول مجاورة تعتبرها ضعيفة وتنظر إلهيا باستخفاف (داخل منظمة الأمم المتحدة، يتهجم وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف على رئيس الوزراء عبدالله مايغا المالي ويصفه بمصطلحات بعيدة من الدبلوماسية، تنهل  من قاموس العصابات وقطاع الطرق .. كالوقاحة والدناءة والوضاعة  و الشاعر الفاشل والانقلابي الأصيل  و جندي جلف..)، ومن خلال الحفاظ على سيطرة واسعة على هذه المناطق الحدودية، تسعى الجزائر في الواقع، إلى ترسيخ صور غير واقعية  كقوة محورية بين الدول المغاربية  ومنطقة الساحل.

-استراتيجية التوسع والهيمنة وزرع الفتن  

وتتجلى استراتيجية التوسع والهيمنة وزرع الفتن  أيضًا في دعم حركة البوليساريو الانفصالية منذ عام 1975.  فإذا كان حكام الجزائر على الصعيد الرسميً، يدّعون أنهم ليسوا طرفا ، وأنهم فقط مع “حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير”، فإنهم على الصعيد العملي، يتحركون وكأنهم الطرف الرئيسي ، حيث يتحركون سياسيا ودبلوماسيا وإعلاميا عمليًا، من أجل إضعاف المملكة  المغربية وتهديد سلامة أراضيها. ويكشف هذا التوجه العدواني عن الرغبة الحقيقية لحكام الجزائر في توسيع نفوذها نحو المحيط الأطلسي مع ترسيخ دورها كقوة عسكرية إقليمية.

والحقيقة أن وصف الجزائر بـ”الدولة التوسعية” لا يعني أنها تنتهج سياسة غزو عسكري تقليدي. إن هذا التوسع  يرتكز على  أبعاد اقتصادية  وأمنية واستراتيجية بالدرجة الأولى، ويستند أيضا إلى شعار يردده حكامها باستمرار “احترام الحدود  الموروثة من الاستعمار”. وهم بذلك يحاولون إعطاء الشرعية للسرقة التاريخية الموصوفة، مع ترسيخ وجودهم في مناطق  يعرفون جيدا أنها مقتطعة من دول  أخرى. والغريب في الأمر أن هذه السياسة التوسعية يرافقها “خطاب  ثوري” يدعي  “مناصرة الشعوب  ومناهضة الإمبريالية”، وهو في الواقع   يخفي منطقًا  إمبرياليا قائمًا على القوة والغطرسة وفرض الأمر الواقع ..

والخلاصة أن نهجها العسكري وسياستها الإقليمية خلال تاريخها القصير، يعكسان الرغبةً  المُلحّةً للجزائر في توسيع وترسيخ منطقة نفوذ تتجاوز حدودها الطبيعية، وسواءً تعلق الأمر بالتوترات مع المغرب، أو النزاعات الحدودية مع تونس أو مالي أو النيجر، أو دعم جبهة البوليساريو، فإن أفعال الجزائر تُصوّرها كدولةً تريد الحصول على  مكاسب إقليمية غير شرعية و غير مستحقة، في قارةٍ يعتمد استقرارها إلى حدٍ كبير على التعاون الإقليمي وعلى احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية..

شاهد أيضاً

ناصر بوريطة : المغرب وروسيا متفقان على أنه لا يمكن تأويل القانون الدولي بشكل يعرقل تسوية قضية الصحراء المغربية

ناصر بوريطة : المغرب وروسيا متفقان على أنه لا يمكن تأويل القانون الدولي بشكل يعرقل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *