الباحث والإعلامي عبدالفتاح الصادقي يكتب : المغرب لا ينافس أحدا ..
الرباط – العرب تيفي – عبد الفتاح الصادقي
تنظر بعض الدول المشغولة برغبتها المحمومة في الزعامة الإقليمية، إلى المملكة المغربية على أنها دولة تسعى إلى قيادة إقليمية على الصعيد العسكري والاقتصادي. إلا أن هذا التصور لا يعكس تمامًا حقيقة النهج الاستراتيجي للمملكة. فخلافًا لبعض الخطابات التي تُثير التنافس الجيوسياسي، أو التنافس الإقليمي، أو المواجهة بين الدول، تُؤكد المملكة باستمرار ووضوح أنها ليست في حالة حرب مع أحد، وأنها لا تتبنى منطق المواجهة مع أي دولة بعينها، وأنها لا تسعى إلى الهيمنة على أي خصم بمنطق الغلبة والهزيمته.
والواقع أن المملكة المغربية تخوض منافسة فريدة من نوعها: منافسة مع نفسها، تُركز على التميز والتقدم والعدالة الاجتماعية، ويبرز ذلك، بشكل جلي، في خطابات رئيس الدولة وفي البرامج والمخططات التي تنخرط الحكومة في تنفيذها، بطبيعة الحال مع اعتماد منطق التدرج والنسبية في النجاح وتحقيق النتائج المرجوة.
رؤية استراتيجية قائمة على السلام والتعاون
بعيدًا عن منطق المواجهة والتصادم، تُولي المملكة المغربية الأولوية للتعاون الإقليمي والدولي في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية. وتسترشد سياستها الخارجية باحترام سيادة الدول والسعي إلى شراكات ذات منفعة متبادلة بمبدإ رابح- رابح. وقد رسّخت المملكة مكانتها كفاعل اقتصادي ودبلوماسي رئيسي في جميع أنحاء القارة الأفريقية، مع تركيز دائم على التكامل والتضامن..
وسواءً تعلق الأمر بالاستثمارات البنكية، أو بالبنية التحتية للطاقة، أو بالتعاون الفلاحي، فإن نهج المملكة يظل شاملا وبنّاء، ويتوخى تحقيق الفعالية والنجاعة والاستدامة. ويؤكد هذا النهج فكرة أن المملكة لا ترى دورها كمنافسة لجيرانها أو شركائها، بل كمساهمة جماعية في التنمية القارية.
وتظهر أهمية هذا النهج على الصعيد الدولي، حيث تعمل المملكة كوسيط في العديد من قضايا السلام والاستقرار، مما يعكس رغبتها في تعزيز مجالات التعاون بدلًا من المواجهة. وهكذا، تظل الدبلوماسية المغربية متوافقة تماما مع المبدأ المعلن: “المغرب ليس في حرب مع أحد“.
منافسة داخلية للتميز
إن المنافسة الحقيقية التي اختارتها المملكة المغربية ذات طابع داخلي، وتتمثل في التغلب على إكراهاتها وقيودها الذاتية للارتقاء بالبلاد إلى مصاف الاقتصادات الناشئة المتينة. وفي هذا السياق، يمكن ملاحظة أن المملكة انخرطت خلال العقدين الماضيين، في إصلاحات كبرى همت قطاعات مختلفة:
أولا على الصعيد الاقتصادي: استثمرت المملكة بكثافة في البنية التحتية، تهم موانئ حديثة (طنجة المتوسط تحديدًا)، وطرق سريعة، وخطوط قطارات فائقة السرعة، ومناطق صناعية، وأقطاب في صناعة السيارات وقطع غيار الطائرات، وطاقة متجددة وبينية رياضة عصرية. وقد جعلت هذه المبادرات من المغرب مركزًا رئيسيًا لخدمات اللوجستيك والطاقة بين أوروبا وأفريقيا والأمريكيتين.
ثانيا على الصعيد الاجتماعي: أُطلقت المملكة برامج هيكلية، مثل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، للحد من الفوارق الاجتماعية والإقليمية. بالإضافة على ذلك يمكن للتطبيق الواسع النطاق لتأمينات الضمان الاجتماعي، الذي تم الشروع في تنزيله أخيرا، أن يمثل خطوةً هامةً نحو حماية المواطنين من مخاطر الفقر والإقصاء.
ثالثا على المستوى المؤسسي: تهدف الإصلاحات الدستورية والقانونية إلى تعزيز سيادة القانون ومشاركة المواطنين، مما يؤكد التزام البلاد بالحكامة الديمقراطية.
وبهذا المعنى، فإن “التنافس مع الذات” ليس مجرد شعار؛ بل هو برنامج حقيقي للتحسين المستمر للمجالات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، بما يضمن تحسين مستوى العي للمواطنين والمواطنات.
مكافحة الفقر والأمية
من بين التحديات الرئيسية التي تواجهها المملكة المغربية مكافحة الفقر والأمية، باعتبارهما ظاهرتان تُمثلان عقبات هيكلية أمام التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فبالرغم من التقدم الملحوظ، تُدرك البلاد أن الطريق لا يزال طويلاً للقضاء نهائياً على هاتين الآفتين.
ووفقاً للمندوبية السامية للتخطيط، انخفض معدل الفقر متعدد الأبعاد في السنوات الأخيرة، لكنه لا يزال مُركزاً في المناطق القروية وفي ضواحي المدن . في الوقت نفسه، لا تزال الأمية تُؤثر على حوالي 30 في المائة من السكان البالغين، على الرغم من برامج محو الأمية والجهود التعليمية التي تم تنفيذها حتى الآن.
لقد تم تنفيذ سياسات عمومية مُستهدفة، تهم برامج محو أمية الكبار، والتعليم الإلزامي للأطفال، والاستثمار في المناطق القروية المحرومة، ودعم المشاريع الصغيرة، وريادة الأعمال لدى الشباب والنساء، وهي برامج يجب أن الاستمرار فيها وتطويرها ومعالجة نقائصها.
إن الجهود المبذولة تعكس التزامًا راسخًا من قبل الدولة التي لا اسعى إلى الانتصار على عدو خارجي، بل إلى التغلب على مظاهر الظلم الاجتماعي والتفاوتات الداخلية. ويكمن النصر الحقيقي للبلاد في الحد من البطالة، وضمان تكافؤ فرص الحصول على الرعاية الصحية والتعليم، وتهيئة الظروف المواتية لتنمية وتحسين ظروف كل المواطنات والمواطنين.
طموحات استشرافية
في علاقتها مع منافسة الذات، وضعت المملكة المغربية، أهدافًا طموحة للعقود القادمة: تحقيق الحياد الكربوني، وتعزيز دورها كمركز أفريقي للطاقة المتجددة، وتطوير اقتصاد المعرفة والابتكار، وضمان عدالة اجتماعية أكثر إنصافًا.
والحقيقة أن هذه الطموحات لا تنبع من منطق التنافس، بل من قناعة راسخة بأن الاستقرار والازدهار يتطلبان بناءً داخليًا متينا ومستداما، حيث يؤكد جلالة الملك في عدة خطابات، هذا التوجه، ذلك أن الهدف الأساس للمملكة ، ليست الهيمنة، بل التصدي للمشاكل والإكراهات وإيجاد الحلول لها وتقوية الذات والقدرات، وبناء نموذج للتنمية الشاملة و المستدامة.
خلاصة لابد منها
بالمختصر المفيد، يمكن القول إن المملكة المغربية ليست في منافسة مع أي دولة، ولا هي في حرب مع جيرانها، ولا تسعى للهيمنة على المنطقة، كما يتصور المهوسون بالزعامة الإقليمية . إن معركتها الحقيقية داخلية بالأساس ، تهم محاربة الفقر، والقضاء على الأمية، وتعزيز الاقتصاد الوطني ، وضمان تنمية متوازنة ومستدامة.
إن المملكة المغربية تخوض في الواقع، سباقًا داخليًا للتغلب على الإكراهات والأعطاب، سباقًا نحو التميز والتقدم، وتوفير مستقبل أفضل لمواطنيه. هذه الديناميكية الداخلية، التي تستند إلى إرادة سلمية وبناءة، هي التي يمكن أن تجعل من المسار المملك أعظم نقاط قوتها.

قناة مغربية عربية دولية قناة مغربية عربية دولية